الولاء العاطفي أخطر أكذوبة في بيئات العمل
سطر قلمي عندما رأيت بأم عيني النفاق في العلاقات بأسماء لا تمت إلى صدق أسمائها، وقول كلمات الحق أمام المتصنعين والمنافقين، يصنف هجوم عليهم وقسوة على مشاعرهم، كلماتي وإن كانت مرةً على المنظرين الذين يقولون ولا يعلمون، بالحديث عن الولاء الوظيفي وهم يمزجون الكلمات لمعاني مقاصدهم.
لابد أن نعلم أن الولاء الوظيفي متعدد الأنواع؛ فمنه الولاء العاطفي، وولاء الخوف، وولاء المصلحة، والولاء الثقافي، وولاء المعاملات، والولاء الزمني، والولاء المعياري، والولاء المستمر، والولاء الأعمى، وغيرها الكثير.
تتعدد أنواعها ونتائجها وأسلوبها ولكل واحد منها له معنى ودرجة في الولاء الوظيفي، ومن أخطرها الولاء العاطفي داخل بيئة العمل، وهو خطر يهدد المنظمة، ويتصف صاحبه بالنفاق والتظليل والكذب بمشاعره وكلماته، لأجل تحقيق مراده.
نعيش زمنًا يتسم بالشفافية في القرارات والخطط الاستراتيجية، والوضوح في التعامل، والصدق في الارتباط الوظيفي، كل ذلك؛ لأجل تحقيق أعلى النتائج التي تنافس محليًا وعالميًا لتستدام.
إن الخطر الذي يهدد المنظمات، ليس فقط الكفاءات، ولا شح الموارد، ولا تعقيدات الأنظمة، إنما في الخطر الخفي وهو الولاء الزائف، الذي ينبني على العاطفة لا على المبدأ، ولا على القرب، من ذلك يختزل الولاء في العلاقات الشخصية برضا المسؤول وفي الانسجام المزاجي وليس في المنظمة، من هنا تتحول بيئة العمل من منظومة قيم ومبادئ إلى ساحة مجاملات، ويصبح الانتماء مرهونًا بالمشاعر لا بالمسؤولية، وبالانطباع لا بالإتقان.
الولاء العاطفي بطبيعته، يتغير بتغير المكان والزمان حسب المزاج، ويضعف عند أول اختلاف، وينهار عند أول قرار لا يرضي الموظف، الولاء العاطفي ولاءٌ مشروطٌ ومؤقتٌ، لا يصمد أمام أول اختبار مهني حقيقي.
الولاء العاطفي أخطر من أي نوع من الولاء الوظيفي، وهو الأخطر وقد يتحول دون وعي إلى نفاق مهني، تُقال فيه عبارات لا تعبر عن قناعة، وتُتخذ مواقف لا تنبع من مبدأ، ويُمارس الرياء تحت مسمى (العمل بروح الفريق).
في مثل هذه البيئات، لا يُكافأ الصادق، بل يُقصى، ولا يُقدر الناقد الأمين، بل يُتهم بعدم الولاء.
هنا تتحول العاطفة من قيمة إنسانية إلى أداة إقصاء وإجحاف، ومن رابط إيجابي إلى سلاح خفي يتسم بالنعومة، ويُستخدم ضد كل من يتمسك بالمبدأ أو يرفض التلون كالحرباء.
الولاء الحقيقي لا يُقاس بقربك من القيادات أو الزملاء، ولا بعدد العلاقات، ولا بحجم الابتسامات، ولا بعدد الكلمات الساحرة النابعة من النفاق.
الولاء الحقيقي يُقاس بثباتك على القيم عندما تتغير الوجوه، وبالالتزام بالمسؤولية المهنية والشخصية عندما تغيب الرقابة، وبقدرتك على قول (لا)، حين يكون الصمت خيانة للمهنة، وبإتقانك للعمل حتى في غياب الرقيب أو وقت التصفيق.
من يجعل السبب الأول لانهيار المنظمة، هو نقص العاطفة، لم يعلم ويعي بأن كثير من المنظمات انهارت، فرحل قائدها وحضر آخر فانقذها، وبحياتنا المهنية الأمثلة كثيرة على ذلك، وأنت عزيزي القارئ تعلم ذلك، بل تنهار عندما تُدار بالعاطفة بدل النظام، وبالانطباع بدل العدالة، وبالرضا الشخصي بدل المصلحة المؤسسية.
مهما كانت العاطفة داخل بيئة العمل نبيلة لا تصلح أن تكون معيارًا ولا أساسًا للاستدامة، فالمنظمات القوية لا تحتاج موظفين متقلبين في ولائهم، بل تحتاج موظفين ثابتين في قيمهم، واضحين في مواقفهم، لا يبيعون قناعتهم مقابل قبول مؤقت أو رضا عابر.
الخلاصة:
العاطفة مكانها القلب، والمنظمات تُدار بالمبدأ والمنطق والواقعية وفق إستراتيجيات ومعايير ومؤشرات ثابتة، وكل منظمة تخلط بينهما، ستكتشف متأخرًا، بأن ما ظنته ولاءً لم يكن إلا صمتًا مؤقتًا، وجسرًا من النفاق للعبور للمصالح، وعند أول اختبار حقيقي سينكشف قناع الولاء العاطفي وهشاشة الانتماء الكاذب، وسقوط قيمهم.
المنظمات لا تحتاج إلى مشاعر مؤقتة، وإنما تحتاج إلى مبدأ لا يتغير.




